Larger Font | Smaller Font

عراق الذاكرة
كنتُ في الثالثة من عمري حين قرّر والداي الانتقال بأفراد العائلة للإقامة في الولايات المتحدة الأميركية حيث انتهت بنا الرحلة إلى الاستقرار في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي.
بدأ والداي بشق طريقهما المهني في اختصاصهما العلمي وهو الهندسة. أما أنا، وقد وجدتُ نفسي فجأة في أرض جديدة وعالم جديد لا أتحدث لغته، فقد بدأت خطواتي المتعثرة متنقلا باستمرار بين مدارس المدينة ابتداء بالتحضيرية ووصولا إلى الثانوية، حيث كنتُ أواجه من حين لآخر صعوبات اجتماعية مردّها لَكْنتي الواضحة حين أتحدث الإنكليزية وكذلك أصولي غير الأميركية، ما دفعني إلى الإصرار على إجادة اللغة الإنكليزية بلهجة أهلها وإلى المزيد من الاندماج والتأقلم مع المجتمع الجديد المختار بمؤازرة من الأصدقاء والمعلمين الذين لم يوفروا جهدا في مساعدتي على ولوج دائرة المواطَنة- بحقوقها وواجباتها.
إثر تخرجي من المدرسة الثانوية التحقتُ بجامعة ولاية تينيسي في مدينة نوكسفيل. وخلال سنتي الدراسية الأولى كنتُ ألجأ يوميا إلى مكتبتها العامة وكذلك مكتبة جامعة فاندربلت حيث كانت تستهويني كتب الفيزياء والعلوم بشكل كبير. كنتُ أقضي ساعات طوالاً في البحث ومتابعة كل ما استجد في هذا المجال. ومع مرور الوقت بدأت أكتشف أن الطريق إلى المعرفة هو أبعد من أسوار الجامعة.
في عام 1999 انتقلت مع عائلتي للإقامة في ولاية مشيغان، حاضرة الجاليات العربية في الولايات المتحدة. وهناك تعرفتُ إلى العمل في الشأن العام من خلال كبرى المنظمات الأميركية العربية: لجنة مكافحة التمييز ADC، حيث كنت أساهم في حملاتها الإعلامية ونشاطاتها الموجهة للشباب من أصل عربي أو للشباب الأميركيين المهتمين بقضايا حقوق الإنسان بعامة.
هكذا بدأت أنخرط أكثر فأكثر في القضايا المتعلقة بالتنمية والحياة المدنية في الدول النامية. وكانت قضايا بلدي الأم العراق في مقدمة اهتماماتي ولا سيما في شأن التنمية الاقتصادية والرفع من مستوى دخل الفرد وظروف حياته المعيشية، وهي من القضايا الملحّة هناك. وبدأت بتنظيم لقاءات دورية مع رجال الأعمال العراقيين في الولاية من الذين يديرون أعمالا تجارية متبادلة بين العراق والولايات المتحدة ساعيا إلى الجمع بين كل التيارات والأطياف العراقية المتواجدة على الأراضي الأميركية.
ولفتني أن الأسباب الجامعة والموحِّدة بين أبناء البلد الواحد هي أقوى وأبلغ من دوافع الفرقة والاقتتال فيما بينهم. وكان سبيلي إلى ترسيخ هذه القناعة ما عكفتُ على قراءته بشغف من أعمال المفكّرَيْن إدوارد سعيد وكنعان مكية التي تدعو من خلال وعي معمّق بالتاريخ إلى صناعة مستقبل يتجاوز زلات الماضي ويؤسّس لمجتمع الحرية والحق والعدالة.
في عام 2004 التحقتُ بالعمل كمنسق اتصال في "مؤسسة الذاكرة العراقية" في العاصمة واشنطن. والمؤسسة هي تأصيل لمشروع الكاتب والمؤرّخ كنعان مكية الذي بادر به في العام 1991 بالتعاون مع قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة هارفارد بهدف جمع ملايين الوثائق المتعلقة بالتاريخ الإنساني العراقي الحديث، غير المأدلج، في نصف القرن الأخير.
يرمي مشروع المؤسسة إلى صياغة ثقافة جمعية تتبنى مبادئ السلام والتسامح وقيم الديمقراطية بحيث تصبح مفاهيم التعايش ونبذ العنف جزءاً من الثقافة العامة للأفراد.
أقولها بصدق: أحلامي في العودة إلى العراق للعمل في الشأن العام والمساهمة في نهضة البلد المرتجاة.. لا تنقطع!
أحمد عماد ضياء